أحمد بن محمد القسطلاني

435

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

المنكر أو النكير أو غيرهما . وفي حديث البراء بن عازب ، عند أبي داود : ويأتيه الملكان يجلسانه . الحديث ، وفيه : ثم يقيض له أعمى أبكم أصم ، بيده مرزبة من حديد ، لو ضُرب بها جبل لصار ترابًا ، قال : فيضربه بها ضربة . . . الحديث . وفي حديث أنس بن مالك ، عند أبي داود ، أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، دخل نخلاً لبني النجار ، فسمع صوتًا ففزع . . . الحديث ، وفيه : فيقول له : ما كنت تعبد ؟ فيقول : لا أدري ! فيقول : لا دريت ولا تليت . فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه ، فيصيح فالحديث الأوّل صريح أن الضارب غير منكر ونكير ، والثاني أنه الملك السائل له ، وهو إما المنكر أو النكير . ( ضربه بين أذنيه ) أي أذني الميت ( فيصيح صيحة يسمعها من يليه ) أي : يلي الميت ( إلا الثقلين ) الجن والإنس ، سميا بذلك لثقلهما على الأرض . والحكمة في عدم سماعهما الابتلاء ، فلو سمعا لكان الإيمان منهما ضروريًّا ، ولا عرضوا عن التدبير والصنائع ، ونحوهما مما يتوقف عليه بقاؤهما ، ويدخل في قوله : من يليه ، الملائكة فقط ، لأن : من ، للعاقل . وقيل : يدخل غيرهم أيضًا تغليبًا وهو أظهر . فإن قلت : لم منعت الجن سماع هذه الصيحة دون سماع كلام الميت إذا حمل وقال : قدموني قدموني ؟ . أجيب : بأن كلام الميت إذ ذاك في حكم الدنيا ، وهو اعتبار لسامعه وعظة . فأسمعه الله الجن لما فيهم من قوة يثبتون بها عند سماعه ، ولا يصعقون بخلاف الإنسان الذي يصعق لو سمعه ، وصيحة الميت في القبر عقوبة وجزاء ، فدخلت في حكم الآخرة . وفي الحديث جواز المشي بين القبور بالنعال ، لأنه عليه الصلاة والسلام قاله وأقره ، فلو كان مكروهًا لبينه ، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد بسماعه إياها بعد أن يجاوزوا المقبرة ، وحينئذٍ فلا دلالة فيه على الجواز ، ويدل على الكراهة حديث بشير بن الخصاصية عند أبي داود والنسائي ، وصححه الحاكم : أن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، رأى رجلاً يمشي بين القبور عليه نعلان سبتيان ، فقال : يا صاحب السبتيين ، ألق نعليك . وكذا يكره الجلوس على القبر ، والاستناد إليه ، والوطء عليه توقير للميت إلا لحاجة . كأن لا يصل إليه إلا بوطئه ، فلا كراهة . وأما حديث مسلم : لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ففسره رواية أبي هريرة بالجلوس : للبول والغائط . ورواه ابن وهب أيضًا في مسنده بلفظ : من جلس على قبر يبول أو يتغوط ، وبقية ما استنبط من حديث الباب يأتي إن شاء الله تعالى في باب عذاب القبر . ورواة هذا الحديث كلهم بصريون ، وفيه : التحديث والعنعنة وأخرجه مسلم ، والنسائي ، والترمذي ، وأبو داود . 69 - باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا ( باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة ) أي : في بيت المقدس ، طلبًا للقرب من الأنبياء الذين دفنوا به ، تيمنًا بجوارهم ، وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم ، اقتداء بموسى عليه السلام ، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر ، وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بعد عنه . ( أو نحوها ) بالنصب عطفًا على الدفن المنصوب على المفعولية : لأحب ، أي : أحب الدفن في نحو بيت المقدس . وهو بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين الشريفين ، رزقنا الله الدفن بأحدهما ، مع الرضا عنا ، إنه الجواد الكريم . 1339 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : « أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ : أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ . فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ : ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ . قَالَ : أَيْ رَبِّ ، ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ الْمَوْتُ . قَالَ : فَالآنَ . فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ . قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ » . وبالسند قال : ( حدّثنا محمود ) هو : ابن غيلان بفتح الغين المعجمة قال : ( حدّثنا عبد الرزاق ) بن همام ( قال : أخبرنا معمر ) بسكون العين وفتح الميمين ابن راشد ( عن ابن طاوس ) عبد الله ( عن أبيه ) طاوس بن كيسان ( عن أبي هريرة رضي الله عنه . قال ) : ( أرسل ملك الموت ) بضم الهمزة ، مبنيًّا للمفعول ، وملك رفع نائب عن الفاعل ، أي : أرسل الله ملك الموت ( إلى موسى ، عليهما السلام ) في صورة آدمي اختبارًا وابتلاء كابتلاء الخليل بالأمر بذبح ولده ( فلما جاءه ) ظنه آدميًّا حقيقة ، تسور عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا ، فلما تصوّر ذلك ، صلوات الله وسلامه عليه ، ( صكه ) بالصاد المهملة أي : لطمه على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها ، دون الصورة الملكية ، ففقأها كما صرح به مسلم في روايته ويدل عليه قوله الآتي هنا : فرد الله عز وجل عليه عينه ، ويحتمل أن موسى عليه الصلاة والسلام علم أنه ملك الموت ، وأنه دافع عن نفسه الموت باللطمة المذكورة ، والأول أولى ، ويؤيده أنه جاء إلى قبضه